ابن خلدون
421
رحلة ابن خلدون
الخامس عشر عرفته الشام أيضا ، فقد كان في معيّة السلطان فرج عام 803 ه 1400 عند خروجه لصدّ التتار ، وكان بدمشق حين حاصرها تيمور لنك ؛ وقد أخذ ابن خلدون طرفا في الوفد الذي خرج للتفاوض في تسليم المدينة ، وأغلب الظنّ أنّ قصّة مقابلته لتيمور وحديثه معه ، تلك القصّة التي يرويها بين عدد من المؤرّخين ابن عربشاه أيضا ، قد أخذت نصيبها من المبالغة والتزويق ، ولو أن ذلك لا ينفي إمكان حدوثها . وقد أذن له تيمور في الرجوع إلى مصر في مارس من عام 803 ه 1402 م فأمضى الأعوام الأخيرة من حياته بالقاهرة ، تارة يقال من منصبه كقاض وطورا يعاد إليه ؛ وأمام هذه اللوحة المتعدّدة الألوان لسيرة حياته لم يكن غريبا أن تحمل بعض مخطوطات ترجمته لسيرة حياته ( Autobiography ) عنوان « رحلة ابن خلدون في الغرب والمشرق » « 2 » . وعلى الرغم من هذا فإنّ الكتاب في الحقيقة لا يمثّل مصنّفا جغرافيا من نمط الرحلة المعروف لنا جيدا ، بل هو ترجمة لسيرة حياته بقلمه بكلّ ما يحمل هذا اللفظ من معنى ؛ وفيها يعرض ابن خلدون لجميع تنقّلاته ، والحوادث التي مرّت به ، دون أن يحاول إظهار شخصيّته في ضوء ملائم لها ، مما يشهد له حقّا بالأمانة وشرف الضمير . وقد عرفت هذه السيرة من وقت طويل في أوروبا بفضل ترجمة دي سلين De Slane ؛ وهي توجد في معظم الأحوال ملحقة بمصنّفه التاريخي ، وتساق في جميع المخطوطات تقريبا إلى عام 697 ه 1394 ، وهذا التاريخ يتّفق مع فترة انقطاعه بالفيّوم . غير أن طه حسين تمكّن من الرجوع إلى مخطوطة موجودة بالقاهرة تسوق العرض إلى عام 807 ه 1404 أي إلى العام السابق لعام وفاة ابن خلدون « 3 » .
--> ( 2 ) تحمل الطبعة المصرية لهذا الكتاب ( 1951 ) عنوانا مغايرا هو « التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا » . ( المترجم ) . ( 3 ) تناول ابن خلدون النسخة الأولى بالتعديل والتنقيح والزيادة ، وأضاف إليها تاريخ حياته إلى نهاية 708 ه ، أي إلى ما قبل وفاته ببضعة أشهر . وقد حفظت لنا من هذه الرواية الأخيرة مخطوطتان قيمتان بمكتبات استنبول ، ومنهما تفرّعت نسخة دار الكتب المصرية التي يشير إليها المؤلف ، وهي التي طبعت مؤخرا بالقاهرة كما أشرنا في الملاحظة السابقة لهذه . ( المترجم ) .